قصة أصحاب الأخدود قصة مؤمنين أُلقوا أحياء في خنادق مشتعلة بالنار لأنهم رفضوا ترك الإيمان بالله، وقد ذكرها القرآن الكريم بإيجاز في سورة البروج، ورواها النبي ﷺ مفصلة في حديث الغلام والملك الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه برقم 3005 من رواية صهيب الرومي رضي الله عنه. ومحور القصة ملك يزعم أنه رب الناس، وغلام آمن على يد راهب، فكان موت الغلام سببًا في إيمان الناس جميعًا، فانتقم الملك منهم بحفر الأخدود وإضرام النار فيه.
قصة أصحاب الأخدود كاملة في سورة البروج
جاء ذكر الحادثة في قوله تعالى {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [سورة البروج: 4-8]. ومعنى «قُتِل» عند كثير من المفسرين لُعن، و«الأخدود» الشق المستطيل المحفور في الأرض، و«ذات الوقود» كثيرة الحطب الذي تشتعل به، و«قعود» أي جالسون على حافتها، و«شهود» أي حاضرون يشاهدون التعذيب.
ولم تقف الآيات عند وصف الجريمة، بل بيّنت مصير الفريقين. فتوعّدت من عذّب المؤمنين ولم يتب بقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} [البروج: 10]. ووعدت الصابرين بقوله {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} [البروج: 11]. ويُفهم من ذكر التوبة أن باب الرجوع إلى الله بقي مفتوحًا حتى للظالمين.
بداية القصة بين الساحر والراهب
كان للملك ساحر يعتمد عليه، فلما كبر الساحر قال للملك «إني قد كبرت، فابعث إليّ غلامًا أعلّمه السحر». فأرسل إليه غلامًا يتعلم منه، وكان في طريقه راهب، وهو رجل منقطع للعبادة، فجلس إليه الغلام وأعجبه كلامه. فصار يمر بالراهب قبل الساحر، فإذا تأخر ضربه الساحر. فشكا ذلك إلى الراهب فقال له «إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر».
وفي يوم من الأيام اعترضت طريق الناس دابة عظيمة منعتهم من المرور. فأراد الغلام أن يعرف أي الطريقين هو الحق، فأخذ حجرًا وقال «اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس». ثم رماها فقتلها، ومضى الناس في طريقهم. وكانت هذه الحادثة نقطة التحول التي أبعدت الغلام عن السحر وأهله، وثبّتته على طريق الراهب.
كرامات الغلام وإيمان جليس الملك
أخبر الغلام الراهب بما حدث، فقال له «أي بُنيّ، أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستُبتلى، فإن ابتُليت فلا تدلّ عليّ». وصار الغلام يبرئ الأكمه، وهو من وُلد أعمى، والأبرص، وهو المصاب بمرض يترك بقعًا بيضاء في الجلد، ويداوي الناس من سائر الأدواء. والكرامة أمر خارق للعادة يجريه الله على يد عبد صالح ليس نبيًا.
وسمع بالغلام جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بهدايا كثيرة وقال «ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني». فقال الغلام «إني لا أشفي أحدًا، إنما يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله دعوت الله فشفاك». فآمن الرجل فشفاه الله. ولما جلس عند الملك سأله «من ردّ عليك بصرك؟» قال «ربي». قال «ولك ربّ غيري؟» قال «ربي وربك الله».
فعذّبه الملك حتى دلّ على الغلام، ثم عذّب الغلام حتى دلّ على الراهب. وطُلب من الراهب أن يرجع عن دينه فأبى، فوُضع المنشار في مفرق رأسه، أي وسطه، فشُقّ نصفين. ثم طُلب ذلك من الجليس فأبى، ففُعل به مثل ما فُعل بالراهب.
محاولات قتل الغلام وإيمان الناس برب الغلام
دفع الملك الغلام إلى جماعة من أصحابه وأمرهم أن يصعدوا به جبلًا، فإن رجع عن دينه تركوه وإلا طرحوه من قمته. فلما بلغوا القمة قال «اللهم اكفنيهم بما شئت»، فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء الغلام يمشي إلى الملك. ثم دفعه إلى جماعة أخرى ليحملوه في قُرقور، وهو قارب صغير، ويلقوه في وسط البحر. فدعا بالدعاء نفسه، فانكفأت بهم السفينة فغرقوا، ورجع الغلام سالمًا.
عندها قال الغلام للملك «إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به». ثم طلب أن يُجمع الناس في صعيد واحد، أي أرض واسعة مستوية، وأن يُصلب على جذع، ثم يأخذ الملك سهمًا من كنانته، وهي جعبة السهام، ويقول «باسم الله رب الغلام» ثم يرميه. ففعل الملك ذلك، فوقع السهم في صُدغ الغلام، فوضع يده عليه ومات. فقال الناس «آمنا برب الغلام»، وقيل للملك «قد والله نزل بك ما كنت تحذر، قد آمن الناس».
حفر الأخدود وثبات المؤمنين في النار
أمر الملك بحفر الأخاديد في أفواه السكك، أي مداخل الطرق، وأُضرمت فيها النيران. ثم أعلن أن من لم يرجع عن دينه يُلقى فيها. وتتابع المؤمنون على الثبات، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست، أي تأخرت وتردّدت أن تقع في النار. فقال لها الصبي «يا أُمَّه اصبري فإنك على الحق». وفي هذه الكلمات أنطق الله الصبي ليثبّت أمه في أشد لحظة.
الدروس المستفادة من ثبات أصحاب الأخدود
- الشفاء والنفع بيد الله وحده، والصالح لا ينسب الفضل إلى نفسه.
- الشجاعة في قول الحق قد تفتح قلوب الناس أكثر من طول الجدال.
- الثمن الذي يدفعه المؤمن في سبيل الثبات لا يضيع، فالآيات سمّت مصيرهم الفوز الكبير.
- الدعاء الصادق في الشدة ملجأ قريب، كما في قول الغلام «اللهم اكفنيهم بما شئت».
الأسئلة الشائعة
أين وقعت قصة أصحاب الأخدود؟
اختلف العلماء في مكانها، فذكر البغوي وغيره أنها وقعت في نجران باليمن في عهد الملك الحميري ذي نواس. ونُقلت أقوال أخرى بأنها كانت في فارس أو الشام أو الحبشة، ولم يحدد القرآن ولا حديث مسلم المكان.
متى وقعت أحداث القصة؟
إن صح أنها حادثة نجران فقد وقعت قبل بعثة النبي محمد ﷺ بنحو قرن، ويؤرخها المؤرخون بنحو سنة 523 للميلاد. ويرى بعض المفسرين أن المؤمنين فيها كانوا على دين التوحيد الذي جاء به عيسى عليه السلام.
كم كان عدد الذين أُحرقوا في الأخدود؟
لم يذكر القرآن ولا الحديث الصحيح عددهم. وما يُروى من أعداد، مثل اثني عشر ألفًا، منقول عن أخبار تاريخية كروايات وهب بن منبه ولا يثبت بسند صحيح.
ما الفرق بين الكرامة والمعجزة في هذه القصة؟
المعجزة أمر خارق يؤيد الله به نبيًا لإثبات رسالته، والكرامة أمر خارق يجريه الله لعبد صالح غير نبي. ولهذا تُسمّى خوارق الغلام وكلام الصبي كرامات لا معجزات.
يفيد عند رواية القصة للأطفال أن يُبدأ بموقف الدابة والحجر لأنه يشد انتباههم، مع إبراز قول الغلام «إنما يشفي الله» بدل التفصيل في مشاهد التعذيب. وللتوسع في قصص القرآن ذات العبرة تمكن قراءة قصة موسى والخضر وقصة سليمان مع ملكة سبأ وقصص سورة الكهف الأربع.
