الضباب الدخاني هو هواء ملوث يختلط فيه الدخان والغازات الضارة بالضباب أو بضوء الشمس، فيغطي المدينة بطبقة رمادية أو بنية تضر بالصحة وتحجب الرؤية. ظهرت الكلمة أول مرة عام 1905 حين استخدمها الطبيب البريطاني هنري أنطوان ديس فو، وجمع فيها بين كلمتي «دخان» و«ضباب». وأهم معلومات عن الضباب الدخاني أن له نوعين: نوع قديم سببه حرق الفحم، ونوع حديث سببه عوادم السيارات والمصانع مع حرارة الشمس. تشرح السطور التالية كيف يتكوّن كل نوع، وما أشهر الحوادث التي سبّبها، وكيف يؤثر في الجسم، وما الذي يحمي منه في الأيام التي يشتد فيها التلوث.
معلومات عن الضباب الدخاني: كيف يتكوّن وما أنواعه؟
النوع الأول يسمى الضباب الدخاني الصناعي أو الكبريتي. يظهر في المدن التي تحرق الفحم بكثرة للتدفئة أو في المصانع، فحرق الفحم يطلق دخاناً وغازات فيها كبريت. وحين يكون الجو بارداً ورطباً تختلط هذه الغازات بالضباب وتبقى قريبة من الأرض، فيتنفسها الناس مباشرة. هذا النوع هو الذي عرفته لندن ومدن صناعية كثيرة في القرن الماضي.
النوع الثاني يسمى الضباب الدخاني الضوئي، وهو الأكثر انتشاراً اليوم في المدن المزدحمة والمشمسة. يتكوّن حين تسقط أشعة الشمس على الغازات الخارجة من عوادم السيارات ومداخن المصانع، فتتفاعل معها وينتج غاز الأوزون قرب سطح الأرض. الأوزون في طبقات الجو العليا مفيد لأنه يحمي من أشعة الشمس، لكنه قرب الأرض يهيّج العينين والصدر ويصعّب التنفس.
وهناك سبب يجعل الضباب الدخاني يبقى أياماً فوق المدينة، وهو ما يسمى الانقلاب الحراري. في الوضع الطبيعي يصعد الهواء الدافئ إلى أعلى ويحمل معه الدخان بعيداً. لكن أحياناً تستقر طبقة هواء دافئة في الأعلى وتعمل كالغطاء، فتحبس تحتها الهواء البارد الملوث، ويتراكم التلوث يوماً بعد يوم حتى تهب الرياح أو يهطل المطر.
ويختلف موسم كل نوع عن الآخر: يكثر الضباب الدخاني الضوئي في الصيف وساعات الظهيرة حين تشتد الشمس، بينما يكثر النوع الصناعي في الشتاء مع زيادة التدفئة وبرودة الجو.
أشهر حوادث الضباب الدخاني في التاريخ
أسوأ حادثة معروفة وقعت في لندن بين 5 و9 ديسمبر 1952، وتُعرف باسم «الضباب الدخاني الكبير». غطّى المدينة ضباب كثيف محمّل بدخان الفحم خمسة أيام. قدّرت الحكومة البريطانية وقتها عدد الوفيات بنحو 4,000، لكن دراسات لاحقة قدّرت العدد بين 10,000 و12,000 وفاة، ومرض نحو 100,000 شخص بمشكلات في التنفس.
بعد هذه الكارثة أصدر البرلمان البريطاني قانون الهواء النظيف عام 1956. حدّد القانون مناطق يُمنع فيها الدخان، وقيّد حرق الفحم في البيوت والمصانع، وكان بداية لقوانين مشابهة في دول أخرى.
وقبل لندن بأربع سنوات، في أواخر أكتوبر 1948، أصاب ضباب دخاني صناعي بلدة دونورا في ولاية بنسلفانيا الأمريكية. توفي 20 شخصاً ومرض نحو 7,000، أي قرابة نصف سكان البلدة حينها. كانت هذه الحادثة من أوائل ما نبّه العالم إلى خطر دخان المصانع على الصحة.
كيف يؤثر الضباب الدخاني في الصحة؟
أخطر ما في الضباب الدخاني جسيمات صغيرة جداً لا تُرى بالعين، قطرها أقل من 2.5 ميكرومتر، أي أصغر من سُمك شعرة الإنسان بنحو ثلاثين مرة. بسبب صغرها تتجاوز الأنف والحلق وتصل إلى أعماق الرئتين، وقد تدخل الدم، فتؤذي الرئتين والقلب مع الوقت. والأكثر تأثراً هم الأطفال وكبار السن ومرضى الربو والقلب.
تظهر آثار الضباب الدخاني سريعاً على كثير من الناس: حرقة في العينين، وسعال، وتهيّج في الحلق، وصعوبة في التنفس عند بذل مجهود. تزول هذه الأعراض غالباً بعد أن يتحسن الهواء. أما التعرض المتكرر على مدى سنوات فيرتبط بزيادة أمراض الرئة وأمراض القلب، ولذلك تعدّه الجهات الصحية من أهم المخاطر البيئية على صحة الإنسان.
لمعرفة حالة الهواء يُستخدم «مؤشر جودة الهواء»، وهو رقم من 0 إلى 500 تعرضه تطبيقات الطقس ومواقع كثيرة. كلما ارتفع الرقم زاد التلوث: إذا تجاوز 150 صار الهواء غير صحي للجميع، وإذا تجاوز 300 صار خطراً ويُنصح الجميع بتجنب أي نشاط في الخارج.
وفي سبتمبر 2021 شدّدت منظمة الصحة العالمية الحدود التي توصي بها لتلوث الهواء، بعد أن تبيّن أن الضرر يحدث عند مستويات أقل مما كان يُعتقد. يلخص الجدول أهم ما تغيّر، والأرقام بالميكروغرام في كل متر مكعب من الهواء:
| الملوث | الحد السابق | الحد الموصى به منذ 2021 |
|---|---|---|
| الجسيمات الدقيقة (متوسط السنة) | 10 | 5 |
| ثاني أكسيد النيتروجين (متوسط السنة) | 40 | 10 |
| الأوزون (موسم الذروة) | لم يكن له حد موسمي | 60 |
طرق الوقاية من الضباب الدخاني
في الأيام التي يرتفع فيها التلوث، أفضل حماية هي البقاء في البيت مع إغلاق النوافذ. وإن كان في البيت مكيف فيُضبط على تدوير الهواء الداخلي حتى لا يسحب هواء الشارع. وتفيد أجهزة تنقية الهواء المزوّدة بمرشّح «هيبا»، فهذا النوع يحتجز 99.97% على الأقل من الجسيمات الدقيقة. ومن الخطوات البسيطة الأخرى:
- متابعة مؤشر جودة الهواء قبل الخروج، خصوصاً لمن لديه أطفال أو مرضى في البيت.
- تأجيل الرياضة والمجهود في الهواء الطلق إلى يوم يكون فيه الهواء أنظف.
- عند الاضطرار للخروج تُستخدم كمامة من نوع N95 أو FFP2 تُثبَّت جيداً على الوجه، فالكمامات القماشية والجراحية لا تحجز الجسيمات الدقيقة.
أما على مستوى المدن فالحل في تقليل الدخان من مصدره. مثال ذلك المحوّل الحفّاز، وهو قطعة في عادم السيارة أُلزمت بها شركات السيارات منذ منتصف السبعينيات، وخفّضت الغازات الضارة الخارجة من السيارة بنسبة تُقدَّر بين 70% و90%. ويساعد انتشار السيارات الكهربائية والهجينة والاعتماد على الطاقة المتجددة بدل الفحم على تنظيف هواء المدن أكثر.
وتلزم مراجعة الطبيب أو التوجه إلى الطوارئ فوراً إذا ظهر أثناء موجة التلوث ضيق شديد في التنفس، أو ألم أو ضغط مستمر في الصدر، أو صفير وسعال شديد لا يهدأ بالبخاخ عند مرضى الربو وأمراض الرئة المزمنة.
أسئلة شائعة حول الضباب الدخاني
ما الفرق بين الضباب والضباب الدخاني؟
الضباب العادي قطرات ماء صغيرة معلقة في الهواء ولا يضر بالصحة. أما الضباب الدخاني فهواء ملوث بالدخان والغازات، وقد يظهر حتى في يوم مشمس وجاف.
هل يظهر الضباب الدخاني في المدن العربية؟
نعم، من أشهر أمثلته «السحابة السوداء» التي كانت تغطي القاهرة في الخريف بسبب حرق قش الأرز وعوادم السيارات، كما ترتفع مستويات الأوزون في مدن حارة ومزدحمة خلال الصيف.
متى يصبح الهواء خطراً على الصحة؟
حين يتجاوز مؤشر جودة الهواء 150 يكون الهواء غير صحي للجميع، وفوق 300 يصبح خطراً. أما مرضى الربو والقلب والأطفال فيتأثرون عند أرقام أقل من ذلك.
هل تحمي الكمامة العادية من الضباب الدخاني؟
لا، فالكمامة القماشية أو الجراحية لا تحجز الجسيمات الدقيقة. المطلوب كمامة من نوع N95 أو FFP2 تُلبس بإحكام حتى لا يتسرب الهواء من أطرافها.
ويستطيع كل فرد المساهمة في تقليله بتقليل استخدام السيارة في أيام الذروة، وعدم حرق النفايات أو المخلفات الزراعية، وصيانة السيارة دورياً لتبقى انبعاثاتها منخفضة. وتنشر منظمة الصحة العالمية معلومات محدّثة عن جودة الهواء وأثرها في الصحة.
