أشهر أمثال العرب في العصر الجاهلي عبارات موجزة قيلت أول مرة في حادثة بعينها قبل الإسلام، ثم صار الناس يرددونها في كل موقف يشبه تلك الحادثة، ومن أشهرها «رجع بخفي حنين» و«جزاء سنمار» و«مواعيد عرقوب». ولكل مثل مورد، وهو القصة الأصلية التي قيل فيها، ومضرب، وهو الموقف الجديد الذي يُستعمل فيه. وتحفظ هذه الأمثال صورة صادقة عن حياة البادية وقيمها، مثل الكرم والوفاء والأخذ بالثأر.
أشهر أمثال العرب في العصر الجاهلي عن الخيبة وتضييع الفرص
«رَجَعَ بِخُفَّيْ حُنَيْن» يُضرب لمن يعود من سعيه خائبًا. وحُنين إسكافي من أهل الحيرة، والإسكافي هو صانع الأحذية. ساومه أعرابي طويلًا على خفين ثم تركه دون أن يشتري. فسبقه حنين إلى طريقه، وألقى أحد الخفين، ثم ألقى الآخر بعد مسافة. مر الأعرابي بالأول فتركه، ولما وجد الثاني ندم، فأناخ ناقته وعاد يبحث عن الأول. عندها أخذ حنين الناقة بما عليها، فرجع الأعرابي إلى قومه لا يحمل غير الخفين.
«الصيفَ ضيعتِ اللبن» يُقال لمن يفرّط في الشيء وقت إمكانه ثم يطلبه بعد فواته. وصاحبته دَخْتَنُوس بنت لقيط، وكانت زوجة عمرو بن عُدَس، وهو شيخ كريم كثير الإبل. كرهته لكبر سنه، فطلقها في الصيف، فتزوجت شابًا فقيرًا هو عُمير بن معبد. ثم أصاب الناسَ جدب، فأرسلت تطلب من عمرو شيئًا من اللبن، فقال هذه العبارة. وكان اللبن مع التمر أساس طعام البادية، قبل أن تتنوع أكلات المطبخ العربي في المدن. ويتكرر معنى الندم بعد الفراق كثيرًا في الشعر العربي عن الحب والفراق.
«على أهلها جنت براقش» يُضرب لمن يجلب الأذى على نفسه أو أهله بفعله. وبراقش كلبة كانت لقوم من العرب، أغار عليهم عدو، فاختبؤوا في مكان قريب ومعهم الكلبة. بحث المغيرون عنهم طويلًا، ولما همّوا بالرجوع نبحت براقش، فعرفوا مكانهم وهجموا عليهم.
قصص أمثال عن نكران الجميل وعواقب الأفعال
«جزاء سِنِمّار» يُضرب لمن يُقابَل إحسانه بالإساءة. وسنمار بنّاء ماهر، يُروى أنه رومي، بنى قصر الخَوَرْنَق في الحيرة للنعمان بن امرئ القيس، أحد ملوك المناذرة. فلما أتم البناء ألقاه النعمان من أعلى القصر فمات، حتى لا يبني لغيره قصرًا مثله. والخورنق من أشهر قصور العرب قبل الإسلام، ويختلف طرازه عن خصائص العمارة الإسلامية التي ظهرت لاحقًا.
«إنك لا تجني من الشوك العنب» قول يُنسب إلى أكثم بن صيفي التميمي، وكان يُلقَّب بحكيم العرب. ومعناه أن من يزرع الشر لا يحصد خيرًا، كما أن النبتة الشائكة لا تثمر عنبًا. ويُضرب لمن يرجو نتيجة طيبة من عمل سيئ، أو ينتظر المعروف ممن عُرف بالأذى.
«سبق السيفُ العَذَل»، والعذل هو اللوم. قائله ضَبّة بن أُدّ، وكان ابنه سعيد قد خرج فلم يعد. وفي أحد الأشهر الحرم، وهي أشهر كان العرب يمتنعون فيها عن القتال، لقي ضبة الحارث بن كعب في سوق عكاظ وعليه بُرد ابنه، فسأله عنه، فاعترف الحارث بقتله. فقال ضبة: «الحديث ذو شجون»، أي أن الكلام يتفرع ويجر بعضه بعضًا، ثم قتله. ولما لامه الناس على القتال في الشهر الحرام قال: «سبق السيف العذل».
أمثال ارتبطت بالحروب والنزاعات بين القبائل
«أشأم من البَسوس» يُضرب لمن يجلب الشؤم والخراب. والبسوس بنت منقذ امرأة من بني تميم، نزل عندها جار اسمه سعد ومعه ناقة تُدعى سراب. رمى كُليب بن ربيعة، سيد تغلب، الناقة فقتلها، فثأر لها جسّاس بن مرة البكري وقتل كليبًا. فاشتعلت حرب البسوس بين بكر وتغلب، ويُروى أنها دامت نحو أربعين عامًا. وتحولت هذه الحرب إلى مادة أدبية، ومنها مسرحية «الزير سالم» لألفريد فرج، وهي من نصوص المسرح العربي الحديث.
«قطعت جهيزة قول كل خطيب» يُقال عند ظهور خبر يحسم الجدل. وأصله أن قومًا اجتمعوا للصلح في دم قتيل، وأخذ خطباؤهم يعرضون الدية، وهي المال الذي يُدفع لأهل القتيل بدل القصاص. فدخلت جارية اسمها جهيزة، وأخبرتهم أن أولياء المقتول ظفروا بالقاتل وقتلوه، فانفض المجلس ولم يبق للخطب معنى.
«بلغ السيلُ الزُّبى» يُضرب حين يتجاوز الأمر حده ولا يعود الصبر عليه ممكنًا. والزُّبى جمع زُبية، وهي حفرة تُحفر في مكان مرتفع لصيد الأسد. فإذا وصلها ماء السيل فقد غمر كل ما دونها من الأرض.
أمثال عن الطباع والوفاء بالوعد
«وافق شنٌّ طبقة» يُقال حين يتفق اثنان في الطبع أو الرأي. وشنّ رجل من دهاة العرب حلف ألا يتزوج إلا امرأة تماثله عقلًا. رافق رجلًا في سفر وألقى عليه كلامًا ملغزًا لم يفهمه، فلما وصلا بيت الرجل فسّرت ابنته طبقة كل ما قاله، فخطبها شن وتزوجها.
«تسمع بالمُعَيْدي خير من أن تراه» يُضرب لمن تفوق سمعته منظره. ويُروى أن قائله النعمان بن المنذر ملك الحيرة، قاله في ضمرة بن ضمرة التميمي، وكان يغير على أطراف ملكه. فلما أمّنه ورآه استصغره لدمامة خلقته. فرد ضمرة: «إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه»، فصار رده مثلًا آخر. وتختلف كتب الأمثال في اسم القائل والمخاطَب.
«مواعيد عرقوب» تُضرب لمن يكثر الوعود ولا يفي بها. وعرقوب رجل يُروى أنه من يثرب، سأله أخوه شيئًا، فقال: إذا أطلعت هذه النخلة فلك طلعها، والطلع أول ما يظهر من ثمرها. فلما أطلعت قال: دعها حتى تصير بلحًا، ثم حتى تصير رطبًا، ثم تمرًا. فلما صارت تمرًا قطعها ليلًا ولم يعطه شيئًا.
«أنجز حرٌّ ما وعد» يُقال في حث صاحب الوعد على الوفاء، ومعناه أن الكريم لا يُخلف كلمته. أما «رُبّ رمية من غير رامٍ» فيُنسب إلى الحكم بن عبد يغوث المنقري، وكان من أمهر الرماة في زمانه. حلف أن يصيد مهاة، وهي البقرة الوحشية، فأخطأها أيامًا. فخرج معه ابنه الصغير، فرمى فأصاب، فقال الأب هذا المثل. ويُضرب للنجاح الذي يأتي ممن لا يُتوقع منه.
كيف وصلت أمثال العرب في الجاهلية إلى عصرنا
تناقل العرب الأمثال مشافهة زمنًا طويلًا، ثم جمعها العلماء في كتب خاصة منذ القرن الثاني الهجري. ومن أقدمها «أمثال العرب» للمفضل الضبي، ثم «جمهرة الأمثال» لأبي هلال العسكري، و«مجمع الأمثال» للميداني المتوفى سنة 518هـ، وهو أوسعها ويضم أكثر من ستة آلاف مثل مرتبة على حروف الهجاء. وتعد هذه الكتب مصدرًا مهمًا لفهم حياة العرب في الجاهلية، أي الحقبة السابقة للإسلام.
تأتي الأمثال غالبًا في جملة قصيرة تامة المعنى، اسمية أو فعلية، ويساعد فهم أنواع الجملة في اللغة العربية على إدراك سر إيجازها. وبقي أثرها واضحًا في الأدب العربي حتى العصر الحديث، إذ يضمّنها الكتاب والشعراء نصوصهم، ويظهر الفرق بين لغتها الموجزة الحاسمة ولغة شعر المهجر الأكثر تأملًا وانسيابًا.
الأسئلة الشائعة
لماذا يبقى لفظ المثل ثابتًا مهما تغير المخاطب؟
لأن المثل يُحكى كما قيل أول مرة ليحفظ صلته بقصته. لذلك يُقال «الصيف ضيعتِ اللبن» بكسر التاء حتى لو كان المخاطب رجلًا.
ما الفرق بين المثل والحكمة؟
المثل يرتبط عادة بحادثة قيل فيها ثم يُقاس عليها غيرها. أما الحكمة فقول موجز يعبر عن حقيقة عامة دون أن يحتاج إلى قصة.
هل لكل أمثال العرب القديمة قصص معروفة؟
لا، فبعضها قام على ملاحظة الطبيعة أو سلوك الحيوان دون حادثة محددة. كما تختلف روايات بعض القصص في الأسماء والتفاصيل من كتاب إلى آخر.
قبل استعمال أي مثل في مقال أو حديث، يفيد الرجوع إلى قصته في أحد كتب الأمثال للتأكد من أن الموقف الحالي يشبه مورده. ويحسن الاكتفاء بمثل واحد مناسب في الموضع الواحد، لأن كثرة الأمثال تضعف أثرها.
