تدور قصة “عائد إلى حيفا” لغسان كنفاني، المنشورة عام 1969، حول الزوجين سعيد س. وصفية اللذين يعودان بعد حرب 1967 لزيارة بيتهما في حيفا، الذي تركاه عام 1948 وتركا فيه رضيعهما خلدون رغماً عنهما وسط الفوضى. فيكتشفان أن عائلة يهودية مهاجرة سكنت البيت وتبنّت ابنهما وسمّته “دوف”، وأنه أصبح جندياً في الجيش الإسرائيلي يرفض الاعتراف بهما. ومن هذه الصدمة يخلص سعيد إلى أن الوطن ليس الذكريات بل المستقبل، ويتمنى لو أن ابنه الآخر خالد قد التحق بالمقاومة. وهي من أشهر أعمال الرواية العربية الحديثة.
بداية الرحلة: صدمة الحقيقة ومرارة الفقد
في أعقاب نكسة 1967، حين انفتح جدار الزمن فجأة، وجد سعيد وصفية نفسهما أمام فرصة العودة إلى مدينتهما حيفا، المدينة التي نُزعا منها قسراً عام 1948. ثمة غصة تسكن الحكاية؛ ففي خضم الذعر وتحت وابل الرصاص في رحلة الهجرة الأولى، تُرِك ابنهما الرضيع “خلدون” وحيداً في المنزل. مأساة تفوق الوصف؛ أبوان يهربان للنجاة بجلدهما، وحين تفيق الحواس، يدركان أن قطعة منهما بقيت هناك خلف الأبواب الموصدة. لم تكن هذه البداية مجرد حدث عابر، بل هي رمزية كبرى لكل ما ضاع من الفلسطينيين في تلك الحقبة المريرة.
تلك العودة لم تكن نزهة، بل مواجهة حارقة مع الذات والماضي. صدمة سعيد الحقيقية لم تأتِ من تغير معالم الشوارع، بل من اكتشاف فجيعته في أن ماضيه تم محوه، وحل مكانه واقع جديد يرفض الاعتراف بوجوده. أدرك سعيد في تلك اللحظة أن حيفا التي رسمها في خياله طوال سنوات الغربة قد تبدلت، وأن الوطن الذي كان يغني له في المنفى يسكن في وجدانه فقط، بينما الواقع على الأرض يتطلب منه ما هو أكثر من مجرد الحنين؛ يتطلب مواجهة شرسة.
صراع الهوية: عندما يقف الابن في وجه أبيه
تصل قصة عائد إلى حيفا باختصار إلى ذروتها الدرامية حين يطرق الزوجان باب منزلهما القديم، ليجدا هناك عائلة مهاجرة تبنت ابنهما الضائع “خلدون”، وأعادت تسميته بـ “دوف”. هنا تظهر عبقرية كنفاني الفلسفية؛ فـ “دوف” ليس مجرد ابن مفقود، بل صار خصماً يرتدي بزة عسكرية للجيش الذي طرد أهله، وتشبع بقيم المنظومة التي سحقت طفولته الحقيقية. إنه التجسيد الأقسى لصراع الهوية وضياع الجذور.
يجد القارئ نفسه أمام سؤال وجودي مؤلم: هل تصنعنا الجينات والدماء، أم تصيغنا البيئة والتربية؟ سعيد يرى في دوف قطعة من كبده، بينما يرى دوف في سعيد مجرد “غريب” يهدد أمانه. كنفاني يوضح هنا أن الاحتلال جريمة لا تكتفي بمصادرة البيوت، بل تمتد لتسرق الإنسان من نفسه، وتحول الابن إلى عدو لأبيه. هي مأساة مضاعفة؛ أب يبحث عن الخلاص في ابنه فيجده غريباً، وشاب يدافع عن كيان هو في الأصل ضحية لنشوئه.
تحول المفهوم: ما هو الوطن في نظر غسان كنفاني؟
تعيد قصة عائد إلى حيفا باختصار صياغة تعريفنا للوطن. سعيد بدأ رحلته معتقداً أن الوطن هو الأثاث القديم، وصور العائلة، ورائحة الحديقة. لكن مع تشابك الخيوط، ينضج وعيه ليكتشف أن الوطن أبعد من أن يكون مجرد حجارة أو ذكريات محنطة. الوطن هو الفعل، هو القدرة على التغيير والمواجهة، وليس مجرد بكاء مرير على أطلال الماضي البعيد.
يقول الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا}، والتكفير عن الأخطاء يتطلب دائماً مواجهة الحقيقة. أدرك سعيد متأخراً أن خطأه كان في حصر الوطن في “البيت”، بينما كان عليه أن يلتفت لابنه الآخر الذي اختار طريق المقاومة. الدرس القاسي هنا أن الإنسان هو من يقرر أن يكون جزءاً من الحل وصانعاً للمستقبل، لا أسيراً لذكرى ميتة لا ترد ما سُلب.
جدول يلخص أبعاد الصراع في الرواية
| المحور | رؤية سعيد (الأب) | رؤية دوف (الابن المتبنى) |
|---|---|---|
| الوطن | الذاكرة والبيت القديم | الواقع والقوة العسكرية |
| الهوية | النسب والأصل الفلسطيني | النشأة والبيئة التي تربى فيها |
| المستقبل | العودة لاستعادة الماضي | الحفاظ على المكتسبات الراهنة |
الخلاصة: هل العودة ممكنة أم أنها حلم في الأفق؟
يبقى السؤال الذي طرحه سعيد س. في قصة عائد إلى حيفا باختصار يتردد في الآفاق: “ما هو الوطن؟”. الوطن ليس مجرد صناديق مغبرة، بل هو حقيقة تُبنى بالإيمان والعمل الجاد. التمسك بالهوية والمقاومة هما حجر الزاوية لأي أمل قادم. وكما جاء في الحديث الشريف: “مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ”، وتغيير الواقع يبدأ من الداخل، بتغيير رؤيتنا لأنفسنا وتاريخنا، لنبني مستقبلاً يليق بنا وبأرضنا، بعيداً عن أوهام الأطلال التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
الأسئلة الشائعة
من هو غسان كنفاني؟
أديب وصحفي فلسطيني وُلد في عكا عام 1936، ومن أشهر أعماله “رجال في الشمس” و”أم سعد” و”عائد إلى حيفا”، واغتيل في بيروت عام 1972.
ما رمزية دوف وخالد في الرواية؟
يمثل دوف الجيل الذي انتُزع من أهله وتشكّل في بيئة أخرى فصار في الجهة المقابلة، بينما يمثل خالد الجيل الذي اختار المقاومة طريقاً، وبينهما يحسم سعيد سؤاله عن معنى الوطن.
ما الفكرة الرئيسية في الرواية؟
أن الهوية والانتماء لا يصنعهما الدم وحده بل الموقف والاختيار، وأن الوطن لا يُستعاد بالحنين إلى الماضي بل بالعمل من أجل المستقبل.
